سيد محمد طنطاوي
230
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وبعد هذا الحديث المؤثر عن أحوال المؤمنين من أهل الكتاب وبيان ما أعده اللَّه لهم من ثواب جزيل ، أتبعه بالحديث عن الكافرين وعن سوء عاقبتهم وعن أهم الأسباب التي أدت إلى جحودهم وفسوقهم فقال - تعالى - : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 116 إلى 117 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ ولا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّه شَيْئاً وأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 116 ) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِه الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْه وما ظَلَمَهُمُ اللَّه ولكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 117 ) والمراد بالذين كفروا في قوله : * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * جميع الكفار ، لأن اللفظ عام ، ولا دليل بمقتضى تخصيصه بفريق من الكافرين دون فريق . والمراد من الإغناء في قوله : * ( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ ولا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّه شَيْئاً ) * الدفع وسد الحاجة يقال : أغنى فلان فلانا عن هذا الأمر ، إذا كفاه مؤنته ، ورفع عنه ما أثقله منه . أي : إن الذين كفروا بما يجب الإيمان به ، واغتروا بأموالهم وأولادهم في الدنيا ، لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا - ولو يسيرا - من عذاب اللَّه الذي سيحيق بهم يوم القيامة بسبب كفرهم وجحودهم . وقد أكد - سبحانه - عدم إغناء أموالهم ولا أولادهم عنهم شيئا - في وقت هم في أشد الحاجة إلى من يعينهم ويدفع عنهم - بحرف « لن » المفيد لتأكيد النفي وخص الأموال والأولاد بالذكر ، لأن الكفار كانوا أكثر ما يكونون اغترارا بالأموال والأولاد ، وقد حكى القرآن غرورهم هذا بأموالهم وأولادهم في كثير من الآيات ، ومن ذلك قوله - تعالى - : وقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وأَوْلاداً وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ « 1 » .
--> ( 1 ) سورة سبأ الآية 35 .